ومْضَةُ جماليَّاتٍ للأستاذ إدريس القري

ومْضَةُ جماليَّاتٍ للأستاذ إدريس القري



الأستاذ ادريس القري*
الأستاذ ادريس القري*
الفن الأصيل هو ذاك الذي لا تشعُر وأنت تسمع الصّوت الذي يمنحه شكلاً وصُورةً بل وكيْنُونةً إلا بِرُوحك، أما العقلُ فيأتي تاليا ليفسر لك مدى ودواعي وأسباب "دهشتك" بالمعنى الفلسفي للكلمة. تهتزُّ لهذا الصوت ولِما "يشدو" به من حكايات مُعلَنَة أو مُسْتتِرة إبداعاً، كما يهتز الأقحوان لنَسائِم الربيع العلِيلة. لا لذَّة وأنت تنصِتُ بل الرِّضَى المُفْعم بسكينةٍ شجيَّةٍ طرِيّة عميقة في الوجدان، ولا مُتعةَ حِسيةَ تُشْعِرك بوجود جسدك، بل بِدفءِ الدَّواخِل المستعصيَّةِ على البيولوجيا وقوانين غرائزها المُغتَالة، ولا رغبة في الرقص ولا حتى برغبةٍ في "مُجاورة" القريب، بل تشعر وأنت تنصت وكأنك في اِبْحارٍ هادئ نحو المقاماتٍ الساميّةٍ لحقولِ الروح الحكيمة، وفي الرِّحاب المُخاصِمة ليقِينيات الفِكر المزهُوِّ بتكلُّسِ تحليلاته لما ليس فنّاً.
صَوْتٌ هو ذاك الذي يمنح الشّكل والصُّورة بل الكينُونة للإبداع في المُوسيقى.

يتعلق الأمر بصوت بمساحاتٍ لا مُتناهيةً تسْمحُ بِتمَاهي الذي أُذنُه وأحاسِيسُه ِناضجةٌ في التقاط الجمِيل والبديع. من تفاصيل حُضَورِ هذا الصوت الرفيع كونه مُخترِق، بطابَعه وقُوّته وطَبَقاته وتطْوِيعَاتِهِ، للمُتخيل الجَمعي، وطابعه المُتجسِّد في أعماق اللاشعور في "النموذج الأصلي" الصافي لقِيم الخَير والحق والجمال الكونية المشتركة. ذلك ما يُفسِّر أن الإنصات لصوت فنانة مثل كريمة الصقلي، يجعلُكَ، وبالضرورة، مُنصِتا لرفيع النبرة والنغمة والكلمة، جالسًا في هدوء أنيق المظهر والشَّذى يفوح من حضورك، شذىً "مُختَلسٌ" من حُضور الصوت الذي يركِّبُ النوتة والصورة الشعرية والعزف، والأهم منها قبلاً وبعدًا، يركِّبُ الوجدان والانفعال والموقف والحالة والوضعية والمناخ والتجربة الإنسانية التي تصفها كل مكونات الأغنية، وتتلاحم في نقل تصوُّرِها كما "ترَاكَبَتِ الإبداعات المكوِّنة في "تأليفها"، لليُبدِعَ منها حكاية ساحرة بقوة اختراقها للسَّرِيرة.

كريمة الصقلِّي هي الحضور، الغناء/الصوت - الصوت/الغناء، الذي يسمو بكل المكونات ويمنحها روحا حاضرة حيّة منيرةً تمشي/تنبضُ في مِحْراب الفن الأصيل الدافع بالمشترك نحو عالمية القيم والحضور النبيل في فضاءاتها المُحلِّقة بعِيدًا عَنِ ما لا يُصَنَّف ولا يُسمعُ.


*الأستاذ ادريس القري - كاتب وناقد